فخر الدين الرازي

427

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قلنا ذكرنا اختلاف الناس فيها في المسألة الأولى . قوله لم قلتم إن قوله : فَلْيَحْذَرِ يدل على وجوب الحذر عن العقاب ؟ قلنا لا ندعي وجوب الحذر ، ولكن لا أقل من جواز الحذر ، وذلك مشروط بوجود ما يقتضي وقوع العقاب . قوله لم قلت إن الآية تدل على أن كل مخالف للأمر يستحق العقاب ؟ قلنا لأنه تعالى رتب نزول العقاب على المخالفة فوجب أن يكون معللا به ، فيلزم عمومه لعموم العلة . قوله هب أن أمر اللَّه أو أمر رسوله للوجوب ، فلم قلتم إن الأمر كذلك ؟ قلنا لأنه لا قائل بالفرق واللَّه أعلم . المسألة الرابعة : من الناس من قال لفظ الأمر مشترك بين الأمر القولي وبين الشأن والطريق ، كما يقال أمر فلان مستقيم . وإذا ثبت ذلك كان قوله تعالى : عَنْ أَمْرِهِ يتناول قول الرسول وفعله وطريقته ، وذلك يقتضي أن كل ما فعله عليه الصلاة والسلام يكون واجبا علينا ، وهذه المسألة مبنية على أن الكناية في قوله عَنْ أَمْرِهِ راجعة إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، أما لو كانت راجعة إلى اللَّه تعالى فالبحث ساقط بالكلية ، وتمام تقرير ذلك ذكرناه في أصول الفقه ، واللَّه أعلم . أما قوله تعالى : أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فالمراد أن مخالفة الأمر توجب أحد هذين الأمرين ، والمراد بالفتنة العقوبة في الدنيا ، والعذاب الأليم عذاب الآخرة ، وإنما ردد اللَّه تعالى حال ذلك المخالف بين هذين الأمرين لأن ذلك المخالف قد يموت من دون عقاب الدنيا وقد يعرض له ذلك في الدنيا ، فلهذا السبب أورده تعالى على سبيل الترديد ، ثم قال الحسن : الفتنة هي ظهور نفاقهم ، وقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما : القتل . وقيل : الزلازل والأهوال ، وعن جعفر بن محمد يسلط عليهم سلطان جائر . أما قوله تعالى : أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فذاك كالدلالة على قدرته تعالى عليهما / وعلى ما بينهما وما فيهما ، واقتداره على المكلف فيما يعامل به من المجازاة بثواب أو بعقاب ، وعلمه بما يخفيه ويعلنه ، وكل ذلك كالزجر عن مخالفة أمره . أما قوله تعالى : قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ فإنما أدخل ( قد ) لتوكيد علمه بما هم عليه من المخالفة في الدين والنفاق . ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد : وذلك لأن قد إذا أدخلت على المضارع كانت بمعنى ربما ، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير . كما في قوله الشاعر : فإن يمس مهجور الفناء فربما * أقام به بعد الوفود وفود والخطاب والغيبة في قوله تعالى : قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ يجوز أن يكونا جميعا للمنافقين على طريق الالتفات ، ويجوز أن يكون ما أنتم عليه عاما ويرجعون للمنافقين ، وقد تقدم في غير موضع أن الرجوع إليه هو الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له فلا وجه لإعادته واللَّه أعلم . وصلى اللَّه على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم